محمد متولي الشعراوي

232

تفسير الشعراوي

بالبذرة التي خلقها اللّه . وتضعها في الأرض المخلوقة لله . وينزل اللّه سبحانه وتعالى الماء عليها من السماء . وتنبت بقدرة اللّه الذي وضع فيها غذاءها وطريقة انباتها . اذن فكل ما يحدث أنك تحرث الأرض . وترمى البذرة . يقول الحق سبحانه وتعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) ( سورة الواقعة ) صحيح أن الانسان يقوم بحرث الأرض ورمى البذرة . وربما تعهد الزرع بالعناية والري . ولكن ليس في كل ما يفعله مهمة خلق . بل إن اللّه سبحانه وتعالى هو خالق كل شئ . ولو كنت تزرع بقدرتك فأت ببذرة من غير خلق اللّه . وأرض لم يخلقها اللّه . وماء لم ينزله اللّه من السماء . وطبعا لن تستطيع . . ولكن ما هو مصدر الأشياء التي استحدثت ؟ نقول إن هناك فرقا بين وجود الشئ بالقوة . وجوده بالفعل . . فالنخلة مثلا حبة كانت موجودة بالقوة . كانت نواة . ثم زرعت فأصبحت موجودة بالفعل . وأنت لا عمل لك في الحالتين فلا أنت بقوتك خلقت النواة - التي هي البذرة - ولا أنت بفعلك جعلت النواة تكبر . لتصير نخلة بالفعل . على أن هناك أشياء مطمورة في الكون . خلقها اللّه سبحانه وتعالى مع بداية الخلق . ثم تركها مطمورة في الكون . حتى كشفها اللّه لمن يبحث عن اسراره في كونه . وكل كشف له ميلاد . إذا أخذنا مثلا ما تحت الثرى . أو الكنوز الموجودة تحت سطح الأرض . لقد ظلت مطمورة حتى هدى اللّه الانسان إليها . وعلمه كيف يستخرجها . فالانسان لم يخترع مثلا أو يوجد البترول أو المعادن . ولكنها كلها كانت مطمورة في الكون حتى جاء الوقت الذي يجب أن تؤدى فيه دورها في الحياة . فدلنا الحق عليها ، فليس معنى أن الشئ كان غائبا عنا أنه لم يكن موجودا . أو أنه وجد لحظة اكتشافنا له . فالشىء الحادث الآن ، والشئ الذي سيحدث بعد سنوات . . خلق اللّه سبحانه وتعالى كل عناصره . وأودعها في الأرض لحظة الخلق . والانسان بما يكشف اللّه له من علم يستطيع تركيب هذه العناصر . ولكنه لا يستطيع خلقها أو ايجادها . والحق سبحانه وتعالى يقول : « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ » .